الجمعة، 12 أبريل، 2013

اذا خيرت بين حزبك وضميرك


"اذا خيرت بين حزبك وضميرك، فاختر ضميرك". القول للمعلم الشهيد كمال جنبلاط. اسس حزباً ودعا الناس الى ان يختاروا ضميرهم قبل حزبهم حين تحتدم االتناقضات.
هي خيارات صعبة يتعين على كل ملتزم بتيار سياسي ان يتوقف عندها خاصة في المفاصل التاريخية. وهي خيارات عانيت واعاني منها شخصياً في محطات كثيرة بصفتي ملتزم بايديولوجية يسارية تنحو باتجاهات راديكالية احياناً فتغيم على مواقف شخصية. ولكي لا نبقى في اطار التعميم النظري المحض سأنتقل الى الاطار العملي الواقعي عبر امثلة متعددة.


اليسار وزياد و سوريا :
مع بدء اندلاع الازمة في سوريا مثلاً، حضرت الازمات الاخلاقية عند تيارات واسعة من اليساريين.
هذه الازمات لم نواجهها في خيارات مصر وتونس والبحرين واليمن. فالديكتاتوريات هناك كانت ممالئة لاميركا واسرائيل وممالك الخليج. فحين انتصرت الثورات كان طبيعياً ان نكون منتصرين حتى مرحلة سطو الاسلاميين على كل هذه الثورات ان كان الاخوان المسلمين في مصر وتونس واليمن او حتى التيارات الشيعية في البحرين .
المواجهة التالية كانت في ليبيا لبعض اليساريين. ولكن في ليبيا كان مستحيلاً علي شخصياً ان اؤيد شخص مجنون كمعمر القذافي هو ورواياته الفضائية ونظرياته الخضراء ولكن تدخل الناتو جعلنا نأخذ حذرنا.
ثم حضرت الثورة في سوريا. انا شخصياً كنت في البداية حذراً من الثورة السورية، فقد كنت آنذاك مقتنعاً بتيار الممانعة بشقيها اللبناني والفلسطيني (حزب الله والمقاومة الفلسطينية تحديداً) مع تفضيل للنظام السوري على بقية الانظمة العربية. ولكن هذاالحذر بددته حقائق القمع الدموي للتظاهرات السلمية من قبل البعثيين. فبات اسقاط النظام الاسدي جزء ضروري للتقدم نحو اي حل آخر. ثم تعسكرت الثورة السورية وتدولت وتأسلمت وتطيفت وتخلجت فبات دعم الثورة اصعب. خاصة ان القوى المعارضة الوطنية والديموقراطية لم تستطع ان تقدم خياراً بديلاً شعبياً كالعادة فضاعت في حمأة الصراع.
اليوم اقف موقف المشدوه مما يجري في سوريا. طبعاً لا زلت مع اسقاط نظام الاسد (مهما استقدم من بدائل غائمة) ولكن طبعاً لا اؤيد جبهة النصرة في قاعديتها ولن اؤيد الجيش الحر في ممارساته الشبيهة بممارسات جيش النظام. اما تأييدنا لبعض القوى المعتدلة فلن يقدم او يؤخر في المعادلة.
هنا ايضاً، ياتي موقف الحزب الشيوعي اللبناني ومعظم اليسار ليزيد الخيارات صعوبة. فالحزب يتبنى موقف الدعوة الى الحوار ويدين قمع النظام (بشكل لطيف) و يدين "المؤامرة" على سوريا وممارسات القوى الظلامية. هذا الموقف يشبه موقفه في لبنان حيث يدين 14 آذار بحدة حتى بعد خروجها من الحكومة فيما ينتقد بلطف حكومة 8 آذار رغم انها كانت في الحكم وتصرفت بنفس المقدار من الخفة الطائفية مع مختلف الملفات من وطنية واقتصادية واجتماعية. وهذا الموقف ينسجم مع الحليف الشيوعي السوري الرئيسي قدري جميل في تحالفه مع النظام.  وفي هذه المواقف حصل التناقض مع الحزب ومعظم مؤيديه المحايدين وحتى بعض المتبعثنين منهم (باستثناء مؤيدي الثورة ممن انشقوا ليؤسسوا حركات ضئيلة العدد والفعل او من بقيوا للاضاءة على هذه الاخطاء بدون نتيجة).
وهنا ايضاً نقع على نفس المشكلة في موقف شبيه لموقف الحزب يتبناه زياد الرحباني كايقونة يسارية. وهو ما عرض زياد لنقد ومواقف محرجة ليس آخرها في حفلة مصر او في لقاء الجامعة الاميركية. وجعلني ايضاً انتقد زياد في اكثر من مكان. فالاضاءة على سقطات المعارضة لا يوجب ابداً اعلان دعم المخابرات والشبيحة كما ان تركيز الهجوم على 14 آذار في وقت يتغافل فيه زياد وغيره عن اساءات 8 آذار سلطوياً وطائفياً موقف غير موضوعي بامتياز.
في هذه المواقف من سوريا ومن وجهة نظر الحزب الشيوعي وزياد الرحباني منها اعتقد اني كنت متسقاً مع ضميري فيها وفضلت خيار الضمير على الخيار الحزبي.

مقاطعة اسرائيل وغانز اند روزز:
نقطة اخرى اثارت جدالاً مؤخراً هي قضية حملة مقاطعة اسرائيل و حفلة غانز اند روزز.
في هذا الاطار اعتادت حملة مقاطعة اسرائيل ان تعترض على النشاطات الفنية التي يقيمها فنانون او فرق عزفوا في اسرائيل اودعموا الكيان الصهيوني بشكل او بآخر ((Placebo, Lara Fabian, Red Hot Chili Peppers, Guns And Roses
وانا بصفتي مؤيد وداعم لهذه الحملة انطلاقاً من الالتزام بالقضية الفلسطينية من جهة وبين مشاهدة فرقة روك عالمية تاريخية قد لا تتكرر الفرصة لمشاهدتها مرة اخرى خاصة اني من محبي هذا النوع من الموسيقى. وكنت قد اشتريت بطاقتي قبل ان تعلن الحملة عن طلب المقاطعة بناء على حفلة غانز اند روزز في اسرائيل.(وفي هذا خطا من الحملة في تأخر الاعلان)  وقد كنت على استعداد للمقاطعة لولا بعض التفاصيل الشخصية. حيث حضرت الحفلة رغم التناقض الذي اححست به مع المبدا وحتى مع الضمير.
ولكن جملة اسئلة واستفهامات طرحت مني ومن اكثر من رفيق وصديق في اطار النقاش حول الموضوع:
اولاً، شخصياً لم استطع الالتزام بمقاطعة اسرائيل اقتصادياً رغم محاولتي اكثر من مرة ولا اعتقد ان معظم من يشارك في نشاطات كهذه مقاطعين اقتصادياً بشكل كامل من اينتيل حتى ستارباكس ومن ماكدونالدز حتى مارلبورو وبيبسي. واعتقد ان المقاطعين بشكل كامل وتام هم قلة قليلة.
ثانياً، اضف ان المقاطعة الاقتصادية قد خفت حضورها لمصلحة مقاطعات ثقافية بشكل رئيسي. فالمقاطعة الاقتصادية التي نشطت في فترة الانتفاضة الفلسطينية الثانية ضعفت كثيراً اليوم.
ثالثاً، لست ادري ما مد اتساق الحملة في موضوع مقاطعة الفرق الفنية فمن المعلوم مثلاً ان فرقةEvanescence قد عزفت في اسرائيل ولم يثر الحديث عن هذا الموضوع اثناء احياء الفرقة حفلتها في لبنان فيما اثير الموضوع في حالات اخرى مثل حالة غانز اند روزز (قيل ان العازف الذي عزف النشيد الاسرائيلي في حفلة الفرقة هناك لم يكن من ضمن اعضاء الفرقة في لبنان).
رابعاً، هل الاهم التركيز على المقاطعة الاقتصادية او الثقافية او السياسية ام جميعها معاً؟ هل نقاطع كل من يمر بارض اسرائيل. في هذه الحالة اين الاحتجاجات عل قدوم عشرات ومئات السياسيين الديبلوماسيين وتحديداً الاوروبيين والاميركيين الداعمين للصهاينة؟ وهل الاهم ان نضغط في السياسة ام في الثقافة؟ واين اعادة تفعيل المقاطعة الاقتصادية؟
اسئلة برسم حملة المقاطعة. وان كنت لا ابرئ او احيد نفسي عن المشاركة في حوار او نقاش يحلل كل المسال الآنفة الذكر.

ازمة الحزب الشيوعي:
الخيار الاخلاقي الآخر هو خيار حزبي بامتياز. هنا الخيار بين الحزب والضمير على المحك.
مؤخراً ظهرت فضائح واحداث مخيفة على مستويات قيادية في الحزب الشيوعي في ظل الخلاف المحتدم بين القيادة والمعارضة (المختلفة عنها قريباً). وقد انتشرت في وسائل الاعلام ولا لزوم لتكرارها. كل هذا ياتي في ظل الاعداد للمؤتمر القادم (المؤجل اصلاً). وأيضاً في ظل اهمال الحزب لوظائفه الرئيسية.
هنا يطرح علينا كشباب شيوعيين (منتسبين وغير منتسبين)، خيارين اما اولاً الابتعاد والانزواء في ظل هذه السقطات التي تحصل خاصة ان الامل التغييري ضعيف من داخل الحزب وثانياً الانخراط والالتزام بهدف التغيير.
الخيارين احلاهما مر. هل نترك الحزب الذي نتبنى مبادئه ينحدر اكثر باتجاه الهاوية او نساهم في انقاذه. وفي الحالة الثانية هل من امل في الانقاذ؟ وفي حال فشل عملية الانقاذ، هل نكون امام حالات يأس وتخبط جديدة.
هنا حيث الحزب بشهدائه وتاريخه يماثل الضمير. فما الخيار؟  
انا شخصياً لم امتلك الاجابة بعد.

جورج عبدالله وفرنسا :
خيار آخر اواجهه على المستوى الشخصي هو في قضية الاسير جورج عبدالله.
جورج، بالنسبة لي اليوم هو ما تبقى من امل، هو ايقونة ثورية. والتزامي بالقضية يتعدى الالتزام الفايسبوكي الى المشاركة الفاعلة على الارض في اعتصامات وتظاهرات بما يتناسب مع امكانياتي.
المشكلة تقع حين تكون امام عمل او سياحة او زيارة لفرنسا. وهنا تقع في مشلكة شبيهة بموضوع المقاطعة. ما هي حدود المقاطعة لفرنسا التي تعتقل الاسير جورج تعسفياً.
هنا ايضاً خيار آخر بين جورج الذي هو الحزب والضمير في آن وبين خيارات شخصية.

خلاصة :
هذه فقط جملة من المعضلات الاخلاقية (Ethical Dilemmas) التي واجهتها شخصياً وربما يواجهها رفاق لي أيضاً وهناك المزيد ايضاً الذي لم اتطرق له رغم التوسع في القضايا المثارة آنفاً.
معضلات تؤلم لمن يعرف معنى الخيار بين الحزب والضمير والخيارات الشخصية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق