الجمعة، 14 أغسطس، 2009

يا تلّ الزعتر - رامي زريق

ضاقت المدينة بسكانها فأصبحت التلال القريبة منها ملاذ الفقراء الأخير. جاؤوا من كل ضواحي الوطن، من جنوبه المهمل وبقاعه المنسي وهرمله المعدوم وعكاره المحروم، بحثاً عن حياة أفضل. جذبهم مغناطيس الفقر فامتزجوا بلاجئين من نوع آخر دفعتهم أمواج النار من أرضهم القدسية إلى مخيمات الخيبة. سكنوا مثلهم في أكواخ من خشب وخيش دعّموها بعد زمن بأحجار وإسمنت ليوطدوا واقعهم المرير. لم يختاروا المكان بل هو اختارهم. لم يكن باستطاعتهم ابتكار اسم له أفضل من ذلك الذي يحمله: «تل الزعتر». فقد أتوا من بلاد الزعتر ليستقروا على كتف الجبل، مثلما تحمل الرياح بذور النبات إلى بقاع التربة الخصبة حيث تنبت وتنمو. عملوا في مصانع الأغنياء، صنعوا أثاثاً لا مكان له في أكواخهم الهزيلة وخاطوا ثياباً لم يلبسوها يوماً وجمعوا آلات كهربائية ومنازلهم تفتقر إلى النور. وحّدهم الحرمان والاستغلال، فأصبحوا خميرة صالحة للثورة التي ما إن هبت حتى انخرطوا في صفوفها وانتظموا في مجموعاتها وعاشوا آمالها ومأساتها ليصبح الزعتر رمز المقاومة. فهي نبتة بسيطة لا شموخ فيها ولا تعاليَ، مثلهم متواضعة، تزهر بين الصخور في الأرض الفقيرة لتغذي مجتمعاً بكامله. ولكن، لم يكن للزعتر مكان في لبنان خطط له أعداء الإنسان. ففي 12 آب 1976 امتزج لهيب الشمس بنار الحقد. احترق الزعتر ودارت المجزرة. دخل السفاحون إلى المخيم حاملين رايات الحضارة والحرف ومزقوا أجساد الأطفال والمقاومين والمقاومات. صعدت بذور الزعتر إلى السماء. نقلتها رياح عاتية إلى أراض جنوبية خصبة مقاومة نبتت فيها من جديد، لتحقق، بعد ثلاثين عاماً، نصراً شهد له العالم. في هذا اليوم، نتذكر شهداء تل الزعتر ولا ننسى جلاديهم مثلما نتذكر نصر الزعتر وأبطاله.
عدد الجمعة ١٤ آب ٢٠٠٩


زياد الرحباني - يوم الاستقلال

video